تناقض صامت في الدعم الغذائي لسوريا
خاص – نبض الشام
في وقت تتفاقم فيه أزمة انعدام الأمن الغذائي في سوريا، تتصدر تقارير المنظمات الدولية واجهة المشهد الإنساني بوصفها مرجعاً للأرقام والتقييمات. غير أن القراءة المتأنية لبعض هذه التقارير تكشف فجوة واضحة بين لغة الإنجاز ولغة التحذير، وبين حجم التدخلات المعلنة وحدّة الخطر الذي يجري التحذير منه. تقرير برنامج الأغذية العالمي الأخير يقدّم مثالاً صارخاً على هذا التناقض، حيث تتجاور أرقام ضخمة للمساعدات مع إنذارات مبكرة بتقليص وشيك للبرامج.
استمرار الأزمة
يُظهر التقرير أن ملايين الأشخاص تلقوا أشكالاً متعددة من الدعم الغذائي والنقدي منذ بداية العام، مع بلوغ عدد المستفيدين شهرياً مستويات مرتفعة. إلا أن هذا العرض الرقمي الواسع يصطدم بحقيقة أن أكثر من نصف السكان ما زالوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي. فإذا كانت المساعدات بهذا الاتساع، يبرز سؤال جوهري حول فعاليتها البنيوية، وما إذا كانت تعالج جذور الأزمة أم تكتفي بإدارتها مؤقتاً دون تغيير ملموس في الواقع المعيشي.
خطاب الطوارئ
يتحدث التقرير عن استعداد دائم للاستجابة الطارئة، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع دعم زراعي، وتأهيل مخابز، وإعادة بناء بنى تحتية تمتد خططها لسنوات مقبلة. هذا الجمع بين منطق الطوارئ ومنطق التعافي طويل الأمد يكشف تناقضاً في الأولويات، إذ يصعب التوفيق بين حالة الاستنفار العاجل وبين التخطيط الهادئ لإعادة الإعمار، خاصة في ظل الاعتراف بعجز مالي حاد يهدد استمرارية الأنشطة الأساسية.
نقص التمويل
من أبرز المفارقات في التقرير أن التحذير من فجوة تمويلية خطيرة يأتي بعد سرد طويل لالتزامات تشغيلية متزايدة تشمل الغذاء، الخبز، الزراعة، المياه، والتغذية. هذا التوسع في البرامج، مقابل الإقرار بعدم توفر الموارد الكافية، يطرح تساؤلات حول آليات التخطيط والمواءمة بين الطموحات المعلنة والقدرات الفعلية، كما يعكس اعتماداً مفرطاً على تمويل غير مضمون.
بناء مشروط
يختتم التقرير بنبرة تفاؤلية حول فرص التعافي وإعادة البناء، لكنه يربط ذلك بشروط خارجية تتعلق باستمرار التمويل وإزالة العوائق. هنا يتجلى تناقض إضافي، إذ يجري الحديث عن مرحلة جديدة لسوريا بينما تُترك مفاتيح هذه المرحلة مرهونة بإرادة دولية متقلبة، ما يجعل التعافي الموعود هشاً ومعلّقاً.
يكشف هذا التقرير، عند تفكيك خطابه، عن فجوة بين السرد الإنساني والواقع العملي، حيث تتجاور أرقام الدعم الضخمة مع مؤشرات هشاشة متزايدة. إن التناقض لا يكمن في نقص الجهود بقدر ما يكمن في غياب رؤية واضحة توازن بين الطوارئ والاستدامة، وبين ما يُعلن من إنجازات وما يُحذَّر منه من انهيارات محتملة. وفي هذا التباين، تظل معاناة السوريين هي الثابت الوحيد.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




